محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الشقاء . ثم قال : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس ، لأن الله جل ثناؤه عم بقوله : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا القوم الذين تقدم ذكرهم في قوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها . وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج : إنهم عنوا بهذه الآية ؛ ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك . والخبر من الله خارج مخرج العموم ، فالقول بأن ذلك عني به أهل الشقاء منهم أولى لما وصفنا . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا فقرأته قراء أهل المدينة : " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء ، بمعنى معاينة ، من قول القائل : لقيته قبلا : أي معاينة ومجاهرة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا بضم القاف والباء . وإذا قرئ كذلك بكسر القاف وفتح الباء كان له من التأويل ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون القبل : جمع قبيل كالرغف التي هي جمع رغيف ، والقضب التي هي جمع قضيب ، ويكون القبل : الضمناء والكفلاء ؛ وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم ، ما آمنوا إلا أن يشاء الله . والوجه الآخر : أن يكون " القبل " بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قول القائل : أتيتك قبلا لا دبرا ، إذا أتاه من قبل وجهه . والوجه الثالث : أن يكون معناه : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة ، صنفا صنفا ، وجماعة جماعة . فيكون القبل حينئذ جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة ، فيكون القبل جمع الجمع . وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال : معنى ذلك : معاينة . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا يقول : معاينة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا حتى يعاينوا ذلك معاينة ؛ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . ذكر من قال : معنى ذلك : قبيلة قبيلة صنفا صنفا . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن يزيد ، من قرأ : قُبُلًا معناه : قبيلا قبيلا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قُبُلًا أفواجا ، قبيلا قبيلا . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أحمد بن يونس ، عن أبي خيثمة ، قال : ثنا أبان بن تغلب ، قال : ثني طلحة أن مجاهد ا قرأ في الأنعام : كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا قال : قبائل ، قبيلا وقبيلا وقبيلا . ذكر من قال : معناه : مقابلة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا يقول : لو استقبلهم ذلك كله ، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا قال : حشروا إليهم جميعا ، فقابلوهم وواجهوهم . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن يزيد ، قرأ عيسى : قُبُلًا ومعناه : عيانا . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا بضم القاف والباء ؛ لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني ، وأن معنى القبل داخل فيه ، وغير داخل في القبل معاني القبل . وأما قوله : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ فإن معناه : وجمعنا عليهم ، وسقنا إليهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسليه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله ، وحاثا له على الصبر على ما نال فيه : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يقول : وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من